ابن خاقان

مقدمة ث

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

أدار ابن خاقان ، كثيرا من مواضع القلائد على نفسه ، ممّا له من رحلات وأسفار إلى حواضر الأندلس ورؤسائها ، حتى قال فيه الوزير أبو محمد بن مالك : " فإنّك من أبناء هذا الزمن ، خليفة الخضر ، لا تستقرّ على وطن ، كأنك - واللّه يختار لك ما تأتيه وتدعه - ، موكّل بفضاء الأرض تذرعه ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع ، أن يعتدّك من العوادي السّريعة الاسترجاع ، فلا يأسف على قلّة الثّوى " « 1 » . وعلى هذا ؛ فإنه كان يجوب الآفاق ، ولكنّا لا نعرف لذلك سببا ، ولا نريد التكلّف لما ليس في خلقه ، إلّا أن يكون لغاية في نفسه هو ؛ أو يكون لقاء عطاء ، أو ابتغاء مجالس الخمر والغناء التي كان يتهالك عليها ويسعى لبلوغها أنّى كانت . ولكن ، متى عرفنا قوّته البلاغية ، وشدّة الأثر الذي يتركه في أوساط الأدب والمتأدبين ، أدركنا في التّو ، أنه كان من أولئك الذين يستجاب لهم ؛ حيثما حلّوا أو نزلوا . والعجب أنه في كتابه القلائد يحرص على أن يظهر هذه الناحية ، حتى ليبلغ فيها حدّ الاسراف ، وربّما كانت بلاغته اللسانية ، من الحيل البارعة للتقرّب من الوزراء والأعيان ، وحضور مجالسهم ، فيثني عليهم ، حتى ينال الأعطيات التي يحتاج إليها في سائر وجوه العيش واللهو . ومن الأخبار عنه ، ما يقطع بعلوّ شأنه ، وارتفاع مكانته الأدبية والاجتماعية بين أهل وقته ؛ إذ هو لم يتصل إلّا بالأمراء والوزراء والفقهاء والقضاة ، وجلّة أهل العلم والأدب بالأندلس ، ونال جوائزهم السنية وأعطياتهم الكبيرة ، التي تغني أمثاله عن السؤال . اذن ، لم هذا الاغتراب ، وتوالي الاضطراب في حياته ؟ ! . فإذا ما حاولنا البحث والاستقصاء في الدوافع والأسباب - إلى جانب ما تقدّم من تلميحات - أعيتنا الحيلة ، إلّا أن يكون الأمر متعلّقا بالطبيعة النفسية التي ما زال منها في عناء ، لما طبعت عليه من الحبّ للثناء ، تأخذه وتعطيه أضعافا مضاعفة .

--> ( 1 ) القلائد : 195 .